محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
206
الإنجاد في أبواب الجهاد
وما رُوِي أن سبب نزولها وقعة بدرٍ ليس هو مما يوجب تخصيصها في الحكم بأهل بدر ، وقصر ذلك عليهم ؛ لأن أكثر أحكام القرآن والسُّنة إنما جاءت على أسباب ، ثُمَّ هي بَعْدُ عامَّة ، وقد قال الله - تعالى - في غير أهل بدر : { إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا } [ آل عمران : 155 ] ، فأخبر الله - تعالى - أن التولي معصية ، واستزلالٌ من الشيطان ، ثم منَّ عليهم سبحانه بالعفو . قال - تعالى - : { وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ } [ آل عمران : 155 ] ، فهذا هو معنى قوله - تعالى - في الموَلّي : { فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } [ الأنفال : 16 ] ، معناه - والله أعلم - : إن لم يُغفر له . قال الله - عز وجل - : { إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ } [ النساء : 48 ، 116 ] ، فهذا يبين لك أن تحريم التولي ليس مخصوصاً به أهل بدر ، بل هو في الجميع ، والتولي كبيرة من الكبائر في جميع المسلمين إلى يوم القيامة . خرَّج مسلم ( 1 ) ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : « اجتنبوا السبع الموبقات » ، قيل : يا رسول الله ، وما هُنَّ ؟ قال : « الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق ، وأكل مال اليتيم ، وأكل الربا ، والتولِّي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات » . وإلى أن الآيةَ محكمةٌ ، عامَّةُ الحكم في سائر المسلمين : ذهب مالك ( 2 )
--> ( 1 ) في « صحيحه » في كتاب الإيمان ( باب بيان الكبائر وأكبرها ) ( 89 ) . من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - . وأخرجه البخاري في كتاب الوصايا ( باب قول الله - تعالى - : { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً . . . } ) ( رقم 2766 ) . وفي كتاب الحدود ( المحاربين ) ( باب رَمي المحصنات ) ( رقم 6857 ) . وفي كتاب الطب ( باب الشرك والسحر من الموبقات ) ( رقم 5764 - مختصراً ) . ( 2 ) انظر : « قدوة الغازي » ( ص 196 - 197 ) ، « أحكام القرآن » ( 2 / 878 ) لابن العربي ، « البيان والتحصيل » ( 2 / 564 و 17 / 30 ) ، « المقدمات » ( 263 ) ، « النوادر والزيادات » ( 3 / 50 ، 54 ) .